الكاتب : أحمد خليلي حاسب

الجمعة، 2 من ديسمبر 2016 هو يوم تاريخي للشعب الإندونيسي خاصة للمسلمين.
في ذاك اليوم، اجتمع ملايين الناس من حميع أنحاء إندونيسيا في البرج الوطني (موناس) وما حولها، والهدف الأساسي من ذاك البرنامج المسمى بالحركة السلمية 212 هو مطالبة حكومة إندونيسيا بالقيام بالدستور بإلقاء المتهم بإهانة الدين "أهوك" في السجن ومعاقبته حسب القوانين النافذة.

ليس هناك قصد لإثارة الفوضى، لا سيما قصد المؤامرة والانقلاب، تلك اتهامات خيالية و باطلة ليست حقيقية، وأعتقد أن تلك الاتهامات جاءت من فئة أهوك المتهم بإهانة الدين.

فضلا عن قصد المؤامرة والانقلاب، فإن المشاركين في تلك الحركة يحرصون على عدم دوس العشب. عبر القائد العام للشرطة في كلماته عن شعوره بالسعادة عن هذه الحركة، وذكر أنه لا عشب يداس ولا شجرة تقطع، الأخلاق الكريمة قد أظهرها المسلمون في هذه الحركة. مع أن المسلمين مظلومين وملومين من أعدائهم  ولكنهم أظهروا الأخلاق الكريمة، ولذا كان الشعب الإندونيسي يجب أن يشكروا بوجودهم.

غضب الأمة الإسلامية على هذا الظلم لا يعارض الناحية المنطقية، هم يستطيعون أن يحشدوا جميع طاقاتهم من أنحاء إندونيسيا لحل هذه المسألة بطريقتهم، ولكنهم لا يزالون يعتقدون أن هناك طرق سلمية لحل هذه المسألة، ومنها هذه الحركة السلمية 212.

وهذه الحالة لا بد أن يفهمها رئيس الدولة، ولا بد له أن يشكر الله بوجود العلماء كحبيب رزيق شهاب والشيخ بختيار ناصر، وغيرهما، ولولا إدارة العلماء في تلك الحركة لكانت إندونيسيا في فوضى.

ولأن هذه الحركة حركة سلمية، فإن من برامجها ذكر الله من أجل سلامة البلاد والشعب. تبدأ بذكر الله في الصباح وتنتهي بانتهاء صلاة الجمعة في ساحة البرج الوطني وما حولها.

أعتقد أن ذاك اليوم يوم تاريخي للشعب الإندونيسي، لم يسبق من قبل أي من المظمات الإسلامية أو من الأحزاب السياسية قادر على جمع مثل هذا العدد العظيم، لا سيما أن المشاركين فيها يحرصون على الترتيب والنظافة، وصفوف صلاة الجمعة فيها أطول صفوف الصلاة في العالم.

تعد هذه الحركة أعظم اجتماع يقوم به الشعب الإندونيسي، كأن مدينة جاكرتا محاصرة بالجيش الأبيض.  إذا كنت تجول جاكرتا من الصباح ستجد أناسا يلبسون الملابس البيضاء تتحركون تجاه البرج الوطني. نعم، كانت جاكرتا محاصرة بالجيش الأبيض من الصباح إلى المساء.

الجماهير يتخلقون بالأخلاق الكريمة حتى لا يشعر سكان جاكرتا بالخوف والذعر بوجودهم على الرغم من أن الشرطة وضعت حالة "الاستعداد الأول"، وأرى أنه تقييم مبالغ فيه من قبل رجال الشرطة. ولا ترى الوجوه الذاعرة والخائفة بوجود هذه الحركة، وعندما يوجد الذعر من قبل مسؤولي الحكومة فإنهم قد يحصلون على المعلومات الخاطئة من قبل رجالهم.

لا ينبغي أن نخشى من مسلمي إندونيسيا، فإنك لو تشارك في جماعاتهم لتجد رائحة السلام والأخوة.

ومنطقيا، ينبغي للمسلمين أن يغضبوا غضبا شديدا ، وكيف لا؟ إن بعض المسلمين من مناطق بعيدة يمنعون من السفر إلى جاكرتا، مع أنهم لا يأخذون معهم إلا الملابس والسجادة. وتمنع عشرات الحافلات من نقل المشاركين في الحركة السلمية 212. لماذا يخافون من المسلمين؟ مع أنهم رعية لا يحملون السلاح، هم صالحون وليسوا مجرمين، وليسوا إرهابيين. وأعتقد أن هذه القضية سببها حصولهم على المعلومات الخاطئة.

على الرغم من وجود تلك المعوقات للذهاب إلى جاكرتا، فإن المشاركين في الحركة السلمية لا يعطون لها بالا. إنهم يسافرون إلى البرج الوطني في جاكرتا بأي وسيلة، هم يجيبون الدعوة بإخلاص، وهذا العزم القوي ليس إلا تعبيرا عن حبهم لكتاب الله.

وغصت الشوارع الأساسية في جاكرتا بهم ، يمشون على الأقدام وهم يذكرون الله ويكبرون.

وبعد صلاة الصبح، أنا والجماعة متجهون إلى منطقة منتينج (Menteng) للانضمام مع المشاركين الآخرين في الحركة السلمية 212، وكنت أقف السيارة في موقف السيارات هناك.

وفي الساعة الخامسة، كنا نشاهد الكثير من المشاركين يتحركون نحو البرج الوطني ماشين على الأقدام، وكنا نشاهد أيضا الشباب في تشيكيني (Cikini) يكبرون دائما، ويبدو أنهم في العشرينات من أعمارهم، وإذا مروا بالآخرون يظهرون صفة الاحترام، ويتصافحون ويقبلون بالابتسامات، ويرفعون راية إندونيسيا.

وفي الساعة السابعة، اجتمعنا مع المشاركين من سكان كامبونج منتينج (kampung Menteng) أمام مبنى إعلان الاستقلال، وهو مبنى قرأ سوكارنو فيه رسالة الاستقلال في 17 من أغسطس 1945.

وعندما كُناّ نتّجه إلى الشارع الرئيسى شارع بانغيران ديبونيغورو (Pangeran Diponegoro)  من محطة غوندانج ديا (Gondangdia) إلى محطة تشيكيني (Cikini) كانت المجموعة تزداد كثيرا.

أولا، تلقينا بجماعة من باسار رومبوت (Pasar Rumput)، وعندما تلقت الجماعتان كان كل واحد منهما يكبرون الله منقبضين أيديهم.

ويبدو أن التكبير أصبح تحية عند اللقاء بجماعات أخرى، وفي وراء جماعة من باسار رومبوت، جماعات أخرى ينضمون إليهم ولا أدري من أين هم، كانوا يخرجون من الزقاق في تلك المنطقة، وقال لي ابن عمي الذي هو من سكان منتينج : "انظر إلى الوراء من تلك الجهة!" كنت أشاهد مجموعتنا التى تبدأ من ثلاثين مشارك، فإذا بها تمتد نصف كيلومتر تقريبا، وكنا نسير أمامهم.

هم المسلمون الذين يلبون الدعوة من الله، وكنت أرى أن منهم موظفون في الشركات الخاصة، يأخذون حق العطلة حبا للمشاركة في حركة الدفاع عن القرآن الذي دنسه محافظ جاكرتا.

أعرف أن كثيرا منهم ليسوا من طلاب العلم، هم من سكان جاكرتا الذين يعملون في الشركات، والسؤال، لماذا وجدت الغيرة القوية في نفوسهم للدفاع عن دينهم الحنيف؟

أعتقد أنهم تلقوا الدعوة من الله للاشتراك في هذه الحركة، ثم تلين قلوبهم للدفاع عن دينهم. "لست من رجال الدين، وأشترك قليلا في مجالس العلم، ولكن إذا كان محافظنا يهين الدين فلا أقبله أبدا، وأشكركم يا أخي، أنتم تشاركون معنا في هذه الحركة مع أنكم تأتون من مناطق بعيدة." قال لي بعض منهم.

الله أكبر!، أقول في نفسي : لعل هذا الرجل أشرف من بروفيسور الذي يهين هذه الحركة السلمية 212، ولعل هذا الرجل أتقى من أحد رؤساء المنظمات الإسلامية الذي يهين بعض العلماء المطالبين بسجن أهوك، وهو أحسن من رجل يذكر أن الوحدة في هذه الحركة غير مميزة.

كان الامتياز بالإيمان، وليس بكثرة المعلومات.

وأعقتد أيضا أن المشاركين في هذه الحركة اختارهم الله ليكونوا مجاهدين في الدفاع عن القرآن. وادعاء الناس بالعلماء أو برئيس الهيئة الإسلامية أو بالداعي قد لا يلتفت الله إليهم.

وحالة هذه الحركة كما في الجنة، وهذا طبعا مبالغ فيه، ولكن أوضح قليلا عن الحالة الموجودة في الحركة السلمية 212، عندما كنا نحتاج إلى شيء نجد من يساعدنا، وكثير من المشاركين لم يتناولوا الفطور فإذاً يجدون طعام الإفطار مجانا، وعندما كنا نريد القهوة والحليب والماء، نجد سيارة تحمل شرابا نريده، وعندما كنا نتعب نجد العشرات من المدلكين، وعندما كنا نريد شحن بطاريات الجوال نجد الساحنات. وكانت الحلوى والتمر والأطعمة الخفيفة والماء نجدها كثيرا بسهولة.

وكنا نشعر بالتعب الشديد ولكن في نفس الوقت نشعر بالسعادة لأننا نشاهد الأخوة القوية بيننا، ونعتبرهم من أقربائنا.

أرى أن المشاركين في هذه الحركة أناس مميزون، لأنهم يتحركون بالترتيب، وقد كان ملايين الناس يدخلون البرج الوطني بالترتيب والانتظم، ولا يدفع بعضهم بعضا، ولا يصرخ بعضهم بعضا. وكان كلامهم طيبا. "يا سيدي، من فضلك لا ترم الزبالة في الطريق" قال بعض الشباب إلى أحد المشاركين، ويظهر التناصح بينهم.

وإذا كانت هذه الحركة غير مميزة فلن نجد تلك الحالة الطيبة، وكنا نتأثر كثيرا بأخلاقهم. وعندما نزل المطر قبل إقامة صلاة الجمعة فإنهم لا يتحركون من أماكنهم، ولو يزداد نزوله غزيرا، بل يزداد أذكارهم وتكبيراتهم.

وعندما نزل المطر غزيرا، نشاهد مجموعة من طلاب العلم من بابوا (AFKN) يدعون الله ويرفعون أيديهم، وكان بعضهم يبكون، ولعل هذه اللحظة هي اللحظة  المستجابة، وكنا نشاهد أيضا وراءنا من يدعو الله باكيا.

ومن يحضر في تلك الحركة سيتأثر بتلك الحالة، هذه هي نعمة عظيمة من الله سبحانه، وهذه أول مرة أصلى الجمعة أثناء المطر.

والسؤال، ماذا حصل بعد الحركة السلمية 212؟ نعلم أن الأمة الإسلامية في هذا البلد لها العديد من القصور، وأرى أننا لا بد من تقوية الأخوة الإسلامية التي وجدناها في هذه الحركة، ولا بد من إنشاء الأجيال المميزة، أليس جيل صلاح الدين الأيوبي ومحمد الفاتح لا يأتيان صدفة؟
Share To: